بعدما مضت نحو 14 سنة من تفويضها لقطاع الماء والكهرباء وتطهير السائل، تجد الشركة الفرنسية « أمانديس » إحدى فروع مجموعة « فيوليا » بطنجة وبعض مدن الشمال نفسها أمام وضعية حرجة للغاية.
من جهة، فشلت خطة « أمانديس » في تفويت أسهمها للشركة البريطانية، رغم أن عملية التفويت قطعت أشواطا مهمة، ولم يبق سوى مصادقة المجالس المنتخبة على هذه العملية. ومن جهة ثانية هي الآن مطالبة بتقديم الحساب أمام الجهة المفوضة، سيما وأن تقريرا أسودا صدر عن مكتب دراسات قام بافتحاص الشركة، و رسم صورة قاتمة عن وضعية تدبيرها وكشف اختلالات عميقة في منظومتها ربما هي التي دفعتها إلى التفكير في بيع أسهمها إلى الشركة البريطانية.
علامات استفهام كثيرة ظلت عالقة حول هذا الموضوع، وأسئلة محيرة هي بمثابة ألغاز لم يكشف عنها تخص أسباب رفض عملية تفويت الشركة الفرنسية إلى نظيرتها البريطانية « أكتيس »، ويبقى السؤال الأبرز لماذا انتظر عمدة طنجة، فؤاد العماري، حتى الدقائق الأخيرة ليعلن بطريقة وصفتها المعارضة بـ »المشبوهة » رفض عملية التفويت؟ بل أكثر من ذلك لماذا اتجه نحو شراء عقد الشركة بدل السماح لـ « أكتيس » اقتناءه؟
سؤال آخر يطرحه المتتبعون اليوم حول الوضعية التي آلت إليها الشركة الفرنسية ويتعلق الأمر بالجانب المالي الذي كان ربما سببا رئيسيا دفع الشركة إلى بيع أسهمها وعدم قدرتها على مواصلة عقدها الذي سينتهي سنة 2025.
مؤشرات سقوط « أمانديس »
من خلال عدد من التقارير سواء تلك التي أنجزها المجلس الأعلى للحسابات، أو تلك التي أصدرها مكتب الافتحاص، أو حتى التقارير الدورية التي تنجزها مصلحة المراقبة الدائمة، أو التقارير التي ينجزها تقنيون ومهندسون متخصصون، فإنهم يلخصون بدايات سقوط الشركة إلى مؤشرين اثنين أولهما مالي والثاني مرتبط أساسا بعملية التسيير.
الشق المالي وفق هذه التقارير، يشير إلى أن الناتج الصافي السنوي الذي يحقق هذا المرفق بطنجة يفوق 195 مليون درهم، بالإضافة إلى مداخيل صندوق الأشغال الذي يفوق 200 مليون درهم سنويا، أي أن المرفق يوفر سنويا حوالي 400 مليون درهم شريطة أن يكون التسيير جيدا.
المرفق أيضا حقق ارتفاعا في مبيعات الماء و الكهرباء و التطهير السائل ما بين 12% و 20% حسب نسبة التقديرات المحددة بالعقد.
يبدو إذن من خلال هذه المعطيات والمؤشرات الرقمية أن قطاع توزيع الماء و الكهرباء و التطهير السائل مربح بامتياز، لكن التساؤل ظل مطروحا لماذا تعاني « أمانديس » من العجز المالي وهل الأمر مرتبط بالتسيير؟
أحد المستشارين داخل الجماعة الحضرية لطنجة وهو مهندس في الماء والكهرباء، محمد أفقير، قال إن هناك مؤشرات سيئة مرتبطة بالتسيير، هي التي ساهمت في تفاقم الوضعية التي تعاني منها الشركة الفرنسية.
ما هي إذن هذه المؤشرات؟ المهندس أفقير يجيب قائلا أولا – الناتج الصافي لسنة 2013 لأمانديس حوالي 23 مليون درهم وهو رقم جد ضعيف, أي 12% بالنسبة للناتج الصافي السنوي للمرفق بطنجة فقط، ثانيا- قيمة ديون الزبناء بين طنجة و تطوان حوالي 1180 مليون درهم و هذا يعود لتقاعس « أمانديس » عن جمع ديونها ».
ويضيف المهندس في قطاع الماء والكهرباء أن شركة « أمانديس » تعيش اليوم مشكلة خانقة تتعلق بالسيولة المالية التي نتجت عن ما قال إنه « فساد » في طريقة التسيير.
وأوضح في هذا السياق أن « أمانديس » لم تلتزم بتحقيق مردودية شبكات توزيع الماء و الكهرباء، حيث أن المرفق خسر في الكهرباء وحده ما يفوق 32 مليون درهم نتيجة عدم تحقيق 94% المتعاقد عليه حيث لم يتم تحقيق سوى 91.5% .
لم تلتزم الشركة الفرنسية منذ سنة 2007 ببرنامجها الاستثماري , حتى وصل فارق الاستثمار ما مجموعه 185 مليون درهم و كان على السلطة المفوضة أن تتدخل وتوقع عقوبات على الشركة لكنها لم تفعل .
من بين المؤشرات أيضا التي تلخص الوضعية السيئة التي تعيشها الشركة وهي أنها تقوم بتسديد مبالغ مالية مهمة لمصاريف وهمية، خصوصا تلك المتعلقة بما تسميه هي بالتأطير التقني و نقل الخبرة , وتبلغ القيمة المالية لهذا البند لسنة 2013 يساوي 7.62 مليون درهم. مع أن عقد التدبير المفوض لا ينص على هذا الأمر.
أمر آخر بدا غريبا وغير مفهوم حسب المصدر، وهو أن « أمانديس » لم تفصح مند أن تسلمت المرفق من الوكالة الحضرية لتوزيع الماء و الكهرباء ( لاريد ) في نهاية سنة 2001 عن الحساب الخصوصي أي الأموال و ديون الزبناء ما قبل 12/12/2001 وهي مسؤولة عن تدبير هذا الحساب. والتي يقدر حينها ب 500 مليون درهم. وهذه الأموال هي ملك للجماعة الحضرية لطنجة، التي كانت تدير هذا المرفق.
مؤشر آخر يدل على الغموض المالي للشركة وقد أشار إليه المجلس الأعلى للحسابات في تقريره الأخير ويتعلق بتدبير حساب صندوق الأشغال من طرف « أمانديس »، و هي أموال السلطة المفوضة : حوالي 500 2 مليون درهم لمدة العقد بطنجة فقط، هذه الأموال لم تفصح عنها الشركة الفرنسية و لا عن طرق صرفها.
كل هذه المؤشرات حسب المهندس أفقير، جعلت الشركة الفرنسية تعاني بشكل كبير وجعلها تبحث عن منقذها إما شراء عقدها أو تفويت أسهمها إلى شركة أخرى.
هكذا فشلت خطة التفويت
بتاريخ 18 شتنبر راسلت مجموعة « فيوليا » التي لها فروع « أمانديس » بالشمال والعاصمة الرباط، وزارة الداخلية، وأبلغتها بقرارها الذي يندرج في إطار الاستراتيجية العامة للمجموعة على الصعيد الدولي بإعادة النظر في استثمارها في الخارج ولا يخص هذا الأمر المغرب فقط.
في ذات المراسلة تقترح « فيوليا » على وزراة الداخلية المغربية الشركة البريطانية « أكتيس » بأن تحل محلها مع تغيير بعض فصول العقد.
ويبدو من خلال هذه المراسلة أن « فيوليا » قررت الانسحاب من المغرب ومن المدن التي تدبر فيها قطاع الماء والكهرباء قبل سنتين، لكن النقاش الحقيقي والجدل حول هذا الموضوع لم يبدأ إلا مؤخرا عندها عرضت هذه النقطة على جدول أعمال دورات المجالس المنتخبة سواء في الشمال أو العاصمة الرباط.
عندما طرحت نقطة التفويت داخل المجلس الجماعي لطنجة،كان النقاش صاخبا بين الأعضاء، فمن الناحية القانونية يمنع الفصل 73 من عقد التفويض كليا تغيير العقد عند التفويت و أن شروط التدبير المفوض تظل محرمة بكاملها، لذلك استغرب الأعضاء كيف يمكن القبول بتغيير في الفصل 20 و تمديد العقد لمدة خمس سنوات زيادة على العقد ؟
نقطة أخرى أثيرت في هذا النقاش وهو أن شركة « أكتيس » تملك تجربة جد محدودة ببلدين إفريقيين وهما « أوغاندا » و « اغواتيمالا »، لذلك ليست لها تجربة في تدبير قطاع الماء والكهرباء وتطهير السائل، بالإضافة إلى كونها شركة رائدة في مجال الأنشطة المالية و تفتقد كليا لأي حس اجتماعي العنصر الأساس في تدبير هذا القطاع.
وهناك دافع آخر ساهم أيضا في إحباط عملية التفويت وهو ما عبر عنه عمدة طنجة، فؤاد العماري، عندما قال إنه ينبغي أن عودة السيادة الوطنية لهذا المرفق حتى لا يبقى حكرا على الأجانب، مبديا في نفس الوقت استعداد الجماعة الحضرية لتدبير المرفق عن طريق شراكات مع القطاعين العام والخاص.
في نفس الوقت، حشد العمدة و رؤساء الجماعات القروية المحيطة بطنجة من أجل إقناعهم بقراره القاضي برفض عملية التفويت، التي جاء مفاجئا إذ لم يكن متوقعا سيما وأنه أي العمدة صرح، في وقت سابق، أن الجماعة لا تملك من الإمكانات المالية ما يجعلها تقتني هذا العقد.
ماذا لو رحلت « أمانديس »
عمدة طنجة فؤاد العماري الذي أطلق تصريحات عقب قرار رفض توفيت شركة « أمانديس » لـ « أكتيس »، قال فيها إنه عازم على طرد الشركة الفرنسية، تصريح بدا مثيرا لكنه قال بأنه يملك البديل ويتعلق الأمر بشركة التنمية المحلية التي ستتولى تدبير هذا المرفق الحساس.
أكثر من ذلك يعتبر العمدة قرار رفض التفويت سياسي، بل هو أكبر منه، وإنه لما أعلن رفضه للتفويت كان قد تشاور مع عدة أطراف بوزارة الداخلية، لذلك لا يبدو مستغربا أن إعلان هذا القرار جاء بعد ساعات من عودته من ألمانيا حيث كان إلى جانب المدير العام للجماعات المحلية بوزارة الداخلية، حضروا ملتقى نظم هناك حول الجماعات المحلية.
هنا ستدخل الجماعة الحضرية أمام خيار يبدو صعبا وفق خبراء وتقنيين تبادلت معهم الجريدة أطراف الحديث حول هذا الموضوع.
ستكون الجماعة أمام خيار استرداد المرفق، وهناك حسب الخبراء، طريقتان لاسترداد هذا العقد، إما شرائه بناء على الفصل 73 من الاتفاقية بين السلطة المفوضة والموفض لها، أو فسخ عقدها بناء على الفصول 62 و 63 و 65 من العقد، وتدخل فيه عدم التزام الشركة المفوض ببنود العقد وتطبيق الغرامات وغير ذلك مما تنص عليه هذه الفصول.
شراء الجماعة لعقد « أمانديس » يطرح حسب هؤلاء الخبراء ثلاث تحديات رئيسية، أولها مصير الجماعات المعنية بالسلطة المفوضة لطنجة ومصير الجماعات الأخرى المعنية بشركة « أمانديس » ذلك أن أي قرار للجماعة الحضرية لطنجة سيحدد مصير 18 جماعات أخرى معنية بشركة « أمانديس » و توجد بأقاليم طنجة و تطوان و فحص أنجرة، و أن كثير من هذه الجماعات هي جماعات صاعدة و أي قرار سيتخذ في هذا الأمر قد يهدد مصالح هذه الجماعات.
التحدي الثاني، مرتبط بطريقة تدبير مرافق الماء و الكهرباء و تطهير السائل، ذلك أن تسلم هذا المرفق لشركة التنمية المحلية وفق الخبراء يحتاج إلى عمل شاق لبحث وإقناع الشركاء سواء من القطاع العام و القطاع الخاص وكذلك البحث عن الممولين للدخول في شراكات لإنجاح هذه التجربة.
أما التحدي الثالث، فهو تحدي مالي بشكل أساسي، وهو من أبرز التحديات التي تواجه الجماعة في حال رحيل شركة « أمانديس ».
فالمؤشرات التي كشفتها تقارير الافتحاص للشركة الفرنسية تؤكد أن قيمة الممتلكات الخاصة بالشركة تصل إلى 1200 مليون درهم، فيما تعويضاتها تصل إلى 317 مليون درهم، فيما تبلغ الديون المتعلقة بالاستغلال إلى 609 مليون درهم.
وبالتالي، فإن مجموع شراء عقد « أمانديس »، سوف يكلف الجماعة الحضرية نحو 2126 مليون درهم، ثم إن الجماعة الحضرية ملتزمة بتمويل برنامجها المتعلق بمشروع طنجة الكبرى الذي تبلغ قيمته 300 1 مليون درهم، بالإضافة إلى تمويل برنامجها المتعلق بالمخطط الجماعي، الذي صادق عليه المجلس ويبلغ قيمته 120 2 مليون درهم، ثم بأداء ديون الجماعة و المتعلقة بنزع الملكية و التي تبلغ قيمتها حوالي 300 مليون درهم.
النتيجة إذن على الجماعة الحضرية إن هي أرادت شراء عقد « أمانديس » كما يتجه العمدة إلى ذلك ملزمة بتوفير للسنوات الخمس المقبلة مبلغ 450 6 مليون درهم، وهنا يظل التساؤل مطروحا من أين ستأتي الجماعة بكل هذه الأموال؟
http://www.lachronique.press.ma/news-28117.html#.U6xRakBsKfM